فصل: مسألة المكاتب يموت ويترك مائة ديناردينا عليه من كتابته:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة العتق إلى أجل:

وقال، في رجل أعتق مكاتبه إلى عشر سنين. قال: يخير المكاتب بين أن يسقط الكتابة ويعتق إلى عشر سنين أو يكون على كتابته.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن العتق إلى أجل عقد لازم لا يبطله شيء يحدث بعد، فهو أوجب من الكتابة، إذ قد يعجز عنها فيرجع رقيقا، فلذلك قال: إنه يخير بين أن يسقط الكتابة عن نفسه ويبقى معتقا إلى أجل، وبين أن تبقى كتابته، وإنما يخير بين الأمرين ما لم ينفذ عتقه إلى الأجل، وأما إن أنفذه فإما أن يخير بين أن يسقط الكتابة وبين أن يبقى على كتابته مع العتق المؤجل، فإن أدى كتابته قبل الأجل خرج حرا بأداء الكتابة وإن حل الأجل قبل الكتابة سقط عنه ما بقي عليه منها وخرج حرا، وبالله التوفيق.

.مسألة مكاتب بين ثلاثة نفر قاطعه أحدهم بإذن صاحبه وتمسك الثاني:

وسئل: عن مكاتب بين ثلاثة نفر، قاطعه أحدهم بإذن صاحبه وتمسك الثاني، ووضع الثالث، ثم عجز المكاتب.
قال: إن رد الذي قاطع نصف ما في يديه إلى الذي تمسك كان العبد بين الثلاثة بالسواء، وإن أبى أن يرد شيئا لم يكن له في العبد شيء، وكان العبد بين الذي تماسك وبين الذي وضع بنصفين.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الذي وضع منهم حظه من الكتابة لم يسقط بوضعه حظه منها حقه في الرقبة، إن عجز عما بقي منها لشركائه، فإن عجز وبقي الذي قاطع على ما قاطع به كان المكاتب بين الذي وضع وبين الذي تماسك بنصفين كما قال، وإن أراد الذي قاطع أن يرجع على حظه في رقبة المكاتب، قيل له: رد نصف ما قاطعت به؛ لأن الذي وضع لا حق له فيما قاطعت به، إذ قد كان وضع عن المكاتب ما كان له عليه، ولو كانت مقاطعته إياه بغير إذن شريكه لم يكن له أن يرد نصف ما قاطع به ويرجع في رقبة المكاتب، ولكان الخيار في ذلك إلى الذي تماسك بالكتابة، وبالله التوفيق.

.مسألة كاتب عبده على أن يأتيه بعبده الآبق:

وقال، في رجل كاتب عبده على أن يأتيه بعبده الآبق أو بعيره الشارد: إن الكتابة جائزة، وعليه أن يأتي بالعبد أو بالبعير، فإن لم يأت به وأيس منه عجز.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، والكتابة على هذا تشبيه للجعل الجائز، وهي جائزة، والأصل في جوازها ما جاء: من «أن سلمان الفارسي كاتب أهله على مائتي ودية يحييها لهم، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا غرستها فأذني، فلما غرسها أذنه، فدعا له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم تمت منها ودية واحدة» وقد مضى هذا في رسم أشهب، وبالله التوفيق.

.مسألة يكاتب أمته وهي حامل لم يعلم به:

وقال، في الرجل يكاتب أمته وهي حامل لم يعلم به، أيكون مكاتبا مع أمه أم لا؟ قال لي مالك: نعم يكون مكاتبا مع أمه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ولا اختلاف فيه أعلمه، والأصل في ذلك قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها».

.مسألة يضع عن مكاتبه نجما من نجومه في الوصية:

قال أبو زيد: وسئل ابن القاسم: عن تفسير المسألة التي في كتاب المكاتب من الموطأ في الذي يضع عن مكاتبه نجما من نجومه أولها أو آخرها أو وسطها في الوصية وما ذكر فيها من قسمة قيمة العبد على تلك النجوم ويقدر قربها من الأجل وبعدها.
قال ابن القاسم: تفسير ذلك أن يكون على المكاتب ثلاثمائة دينار، في كل نجم مائة، فإن كان وضع المائة الأول نُظِرَ كَمْ قِيمَتُهَا نقدا إِنْ لو بيعت في قرب محلها؛ لأن النجم الأول ليس مثل آخرها في القيمة، ويقوم على ذلك على قدر مال العبد وملائه في الأداء، فإن كان قيمتها خمسون دينارا قلنا كم قيمة الثاني بعده؟ فإن قيل: ثلاثون دينارا، قلنا: كم قيمة الثالث الذي بعدهما؟ فإن قيل: عشرون دينارا كان للذي أوصى له من ذلك نصف رقبته، ثم ينظر إلى ذلك، فإن كان أقل في القيمة من نصف قيمة رقبته أو قيمة النجم الأول فيوضع ذلك في ثلث مال الميت، فإن خرج من الثلث عتق، ولا ينظر إلى قيمة الكتابة في النجم الأول إن كان قيمة نصف رقبته أقل، ولا إلى قيمة نصف رقبته إن كانت قيمة النجم أقل؛ لأنه إذا أعتق نصفه والذي أخذ من الكتابة نصفها فيوضع ذلك في ثلث مال الميت على ما أحب ورثة الميت أو كرهوا، وإن وضع عنه الأوسط أو الآخر فعلى هذا يحسب، ويدخل في ثلث الميت الذي هو أقل أبدا، ولا يدخل في ثلث الميت قيمة النجم الأول ولا الثاني ولا الثالث، إن كان ذلك أكثر من قيمة ما يصيب من رقبته؛ لأنه لو وضع عنه ذلك كله لم يدخل في مال الميت إلا الذي هو أقل من قيمة الكتابة كان أو قيمة رقبته.
وكذلك النجم بعينه إنما يدخل في ثلث مال الميت قيمة أو قيمة ما يصيبه من قدر رقبته؛ لأن الوصايا تدخل معه فيكون ذلك خيرا لأهل الوصايا أن يتموا وصاياهم، وليس على الورثة في ذلك ضرر.
وإن كان النجم الأقل هو نصفه ولم يترك الميت مالا غيره خير الورثة بين أن يضعوا هذا النجم بعينه ويعتق الذي كان يصيبه من قيمة رقبته، وهو النصف، ويسقط ذلك النجم بعينه ويكون له النجمان الباقيان، فإن استوفوا فذلك، وإن عجز ورق عتق منه إلا نصفه، وإن أبوا أن يجيزوا ذلك عتق ثلثه، ووضع عنه من كل نجم ثلثه، فإن عجز كان ثلثه حرا وثلثاه رقيقا لهم، وهذا وجه ما سمعت وبلغني عنه ممن أثق به.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح من قوله وَبَيِّنٌ من تفسيره على قياس ما في المدونة وغيرها من أن من أوصى بعتق مكاتبه يوضع في ثلث الميت الأقل من قيمة رقبته أو قيمة كتابته، وقد مضى هذا في أول سماع أبي زيد وغيره، فلا معنى لإعادته.

.مسألة نصراني كاتب عبدا له نصرانيا بمائة قسط من خمر:

من مسائل نوازل سئل عنها سحنون قال سحنون، في نصراني كاتب عبدا له نصرانيا بمائة قسط من خمر، فأسلم المكاتب بعدما أدى نصف الخمر، قال: يكون على المكاتب نصف قيمته عبدا قنا، أو يكون عليه نصف كتابة مثله في قوته على السعاية.
قيل له: فإن أسلم السيد ولم يسلم المكاتب؟ قال: هو كما أخبرتك، من أسلم منهما فهو على ما أخبرتك.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يكون عليه لسيده إذا أسلم أحدهما نصف قيمته أو نصف كتابة مثله- ليس على سبيل التخيير لأحدهما في ذلك، وإنما هو قولان، فمرة قال: إنه يكون عليه نصف كتابة مثله؛ لأن ما بقي من الكتابة هو الذي بطل بإسلام من أسلم منهما إذ لا يصح أن يقضي بالخمر لمسلم ولا على مسلم، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة: أن يكون عليه حصة ما بقي من كتابة مثله، فإن بقي نصف الخمر والخنازير طالبه بنصف كتابة مثله، إن ثلث فثلث، وإن ربع فربع، ومرة كان يقول: عليه نصف قيمة رقبته، ووجه ذلك: أن المكاتب لما كان عبدا ما بقي عليه من كتابته شيء، فبطل ما بقي من كتابته بإسلام من أسلم منهما، وجب عليه نصف قيمة رقبته إن كان بقي عليه نصف ما كاتبه عليه من الخمر والخنازير، إذ قد كان يمكن أن يعجز عنها فيرجع رقيقا، والقول الأول أظهر، والله أعلم.

.مسألة مكاتبة وطئها سيدها فحملت ولها مال كثير:

وسئل: عن مكاتبة وَطِئَهَا سَيِّدُهَا فحملت ولها مال كثير، هل تكون بالخيار في أن تكون على كتابتها، أم تكون أم ولد؟ قال: نعم إن أرادت أن تكون أم ولد، فذلك لها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه، إذ ليس ذلك منها كتعجيز المكاتب نفسه، وله مال ظاهر أن لا ترجع رقيقا باختيارها أن تكون أم ولد لسيدها ولا تنقل بذلك ولاءها عنه، ولا فيه ضرر على أحد إذا لم يكن معها أحد في كتابتها، فوجب أن يكون ذلك لها، ولو كان معها أحد في كتابتها لم يكن ذلك إلا برضاهم إلا أن تكون هي أقدر على السعي منهم وتخاف عليهم العجز بذلك، فلا يكون ذلك لهم وإن رضوا، وقال بعض الرواة: لا يكون ذلك لها وإن رضوا ورضيت، إذا كان قبلهم من السعي ما قبلها؛ لأنه لا يدري ما يئول إليه مالهم، وإذا رجعت أم ولد برضاها ورضاهم حط عنهم من الكتابة مقدار حصتها، وسواء على مذهب مالك وطئها طائعة أو أكرهها ويؤدب في الحالتين جميعا إلا أن يعذر بحبها له، وأدبه في استكراهه أشد.
وقال سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي: إذا وطئ الرجل أمته فحملت كانت أم ولد له وبطلت كتابتها.
وقال ربيعة: إن طاوعته بطلت كتابتها وكانت أم ولده، وإن أكرهها فهي حرة، وَوَلَدُهَا على كل حال لَاحِقٌ به، وهذا كله في المدونة، وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى أن يكاتب عبده ويعطي رجل سماه عشرة دنانير:

وسئل: عن رجل أوصى أن يكاتب عبده ويعطي رجل سماه عشرة دنانير، وليس له مال غير العبد.
قال: يقال للورثة: أتجيزون ما أوصى به الميت؟ فإن قالوا: نعم، نجيز ذلك، وإن قالوا: نحن نجيز الكتابة ولا نجيز ما أوصى به الميت لهذا الرجل، قيل لهم: كاتبوه، ثم يقال لهم: إنما لكم من هذا المكاتب الثلثان وليس لكم الثلث، فاختاروا، فإن شئتم فادفعوا إلى هذا الموصى له بالعشرة دنانير ما أوصى له به، ولكم ثلث كتابته، وإلا فأسلموا إليه ثلث كتابة الكاتب.
قال محمد بن رشد: هذا بيِّن على ما قاله: إنهم إذا أجازوا الكتابة فهم يخيرون بين أن يسلموا ثلثها إلى الموصى له بالعشرة، أو يسلموا له العشرة؛ لأن ثلث الكتابة هي ثلث جميع مال الميت إذا لم يكن له مال سوى العبد الذي أجازوا وصية المكاتب بكتابته، ولو لم يجيزوا الكتابة أيضا لم يكن عليهم أكثر من أن يعتقوا ثلثه بتلا بما أوصى له به من الكتابة، وتبطل وصيته بالعشرة؛ لأن الوصية بالعتق مقدمة على الوصية بالمال، وبالله التوفيق.

.مسألة وطئ مكاتبة ابنه فأولدها:

وسئل: عمن وطئ مكاتبة ابنه فأولدها هل تكون بالخيار إن شاءت كانت أم ولد للواطئ وإن شاءت كانت على كتابتها؟ قال: ليس ذلك لها.
قيل له: لم قال لأنه ليس لها أن تنقل ولاءها عن الابن الذي قد انعقد له إلى الأب؟ قيل: فإن عجزت؟ قال: يكون الابن بالخيار إن شاء قومها على أبيه فعل، وقد روى في كتاب العرية أن لها الخيار أن تمضي على كتابتها أو تكون أم ولد للأب.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والكلام عليها في رسم العرية من سماع عيسى فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة وطئ مكاتبة فأحبلها فاختارت أن تكون أم ولد:

قيل له: فلو أن رجلا وطئ مكاتبة فأحبلها ولها مال كثير فيه وفاء بكتابتها وفضلة فاختارت أن تكون أم ولد أيكون لها الخيار في أن تكون على كتابتها أو تكون أم ولد؟ قال: نعم، قال سحنون:
وتكون نفقتها على السيد في حملها بمنزلة المبتوتة إذا كانت حاملا إذا اختارت أن تمضي على كتابتها.
قال محمد بن رشد: قد مضى قبل هذا في هذه النوازل القول على وجه رضاها برجوعها أم ولد وإن كان لها مال، وأما قول سحنون: إن لها النفقة في حملها فهو القياس على ما قاله، ولأصبغ في الواضحة أنه لا نفقة لها، والذي أقول به أن لها النفقة إن أكرهها على الوطء ولا نفقة لها إن طاوعته، ويحتمل أن يفسر قول سحنون وأصبغ على هذا فلا يكون في المسألة اختلاف، وبالله التوفيق.

.مسألة مكاتب اشترى أمته وهي امرأة سيده هل يفسخ النكاح:

قال سحنون، في مكاتب اشترى أمته وهي امرأة سيده، هل يفسخ النكاح؟ ولمن يكون حقها من زوجها؟ قال: يفسخ النكاح ويكون الصداق للبائع إلا أن يشترطه المبتاع.
قال محمد بن رشد: قوله: إن النكاح يفسخ إذا اشتراها، معناه: إذا اشتراها بإذن سيدها؛ لأنه إذا اشتراها بإذنه دخلت معه في كتابته فصارت مكاتبة له، ولا يجوز للرجل أن يتزوج أمته ولا مكاتبته.
وقوله: إن الصداق يكون للبائع إلا أن يشترط المبتاع- صحيح؛ لأنه مال لها، ومال العبد للبائع إلا أن يشترطه المبتاع على ما أحكمته السنة عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، ومعنى ذلك: إذا كان شراؤه إياها بإذن سيده بعد أن دخل بها، وأما لو كان اشتراها بإذنه قبل أن يدخل بها لم يكن لها صداق ولا نصف صداق؛ لأن كل نكاح يفسخ قبل الدخول لفساده فلا صداق فيه، ولو اشتراها بغير إذن سيده لم تدخل في كتابته، وإذا لم تدخل في كتابته فلا يفسخ النكاح بشرائه إياها فإن احتاج إلى بيعها في الأداء عن نفسه باعها، وإن أدى خرجت حرة، وإن عجز كانت أمة له وكان لسيده أن ينتزعها منه إن شاء؛
فإن فعل انفسخ نكاحه ووطئها بملك يمينه، وبالله التوفيق.

.مسألة مكاتب اشترى ابن مولاه هل يعتق عليه أم لا:

وقال، في مكاتب اشترى ابن مولاه، هل يعتق عليه أم لا؟ قال سحنون: يكون رقيقا في يد المكاتب.
قال محمد بن رشد: قد مضى مثل هذا من قول ابن القاسم في رسم يدير ماله من سماع عيسى والكلام عليه، فلا معنى لإعادته.

.مسألة المكاتب يموت ويترك مائة ديناردينا عليه من كتابته:

وسئل: عن المكاتب يموت ويترك مائة دينار دينا عليه من كتابته ويترك ثلاث أمهات أولاد له من كل واحدة منهن ولد واحد فشح كل واحد منهم أن تباع أمه فيما عليهم من الكتابة، وقيمة كل واحدة منهن مائة دينار.
قال: يباع من كل واحدة منهن ثلثها، قيل: فلو كانت قيمتهن مختلفة، فكانت قيمة واحدة ثلاثمائة دينار، وقيمة الأخرى مائتان، وقيمة الأخرى مائة؟ قال: يباع من كل واحدة منهن سدسها، يباع من الثمن قيمتها، ثلاثمائة سدسها خمسون دينارا، ومن التي قيمتها مائة، سدسها ستة عشر وثلثان، ومن التي قيمتها مائتان، سدسها ثلاثة وثلاثون وثلث، فجميع ذلك مائة.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إنه يقرع بينهن فيمن يباع في الدين اتفقت قيمتهن أو اختلفت، فإن اختلفت فخرج السهم على التي قيمتها مائة بيعت وعتقت الاثنان بعتق الولد، وإن خرج السهم على التي قيمتها مائتان بيع نصفها وعتقت الاثنتان بعتق الولد، وإن خرج السهم على التي قيمتها ثلاثمائة بيع ثلثها وعتق الباقيتان، وهذا القول أيضا لضرر الشركة في العتق في كل واحدة منهن، وهو الذي يأتي على ما رواه سحنون في أنه إذا لم يكن ولد إلا لواحدة منهن إلا بالقرعة سوى الأم، ولا تدخل الأم في القرعة، وعلى ما في المدونة إنما بيع التي فيها نجاتهم كانت أمة أو غير أمة، ولم ير أن يبيع أمه إذا كان في سواها من أمهات أولاد أبيه كفاف لدينه، ولم يتكلم في المدونة إذا كان لكل واحد منهن ولد، والقرعة في ذلك أولى من قول سحنون في هذه الرواية، وبالله التوفيق.

.مسألة كاتب عبيدا له ثلاثة كتابة واحدة:

وسئل المغيرة: عن رجل كاتب عبيدا له ثلاثة كتابةً واحدةً، وبعضهم حملاء عن بعض، ثم إن بعض المكاتبين أَبِقَ وأبقى أصحابه على حالهم فعجزهم السلطان، ثم إن الآبق قدم ومعه قوة على أداء الكتابة كلها والسلطان الذي عجزهم قائم لم يمت ولم يعزل، هل يعتق لحصته من الكتابة، أو يعتق هو وأصحابه؟
قال: أرى أن الآبق من المكاتبين على كتابته إن جاء بها عتق الذين عجزوا من شركائه بما أدى عنهم من كتابتهم وكتابته.
قيل له: فهل يرجع المكاتب على شركائه في كتابته بما أدى عنهم بقدر حصصهم؟ قال: نعم، قيل: ذوو رحم كانوا أو غيرهم؟ قال: نعم، هو سواء في هذا الموضع؛ لأن المرء يتبع في دينه أباه وأخاه وابنه، ولو مات ورثوه، فهؤلاء كذلك.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: وبعضهم حملاء عن بعض، ظاهره: أنهم لا يكونون حملاء بعضهم عن بعض إذا كوتبوا كتابة واحدة إلا أن يشترطوا ذلك، وهو خلاف ما في المدونة وغيرها.
وأما قوله في آخرها: إنه يرجع الآبق الذي أدى الكتابة على من كان معه فيها وإن كان ابنه أو أباه أو أخاه فهو خلاف نص مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وقد مضى تحصيل الاختلاف في هذا في رسم إن خرجت من سماع عيسى، وبالله التوفيق.

.مسألة يوصي أن يكاتب نصف عبده:

من مسائل نوازل سئل عنها أصبغ قال أصبغ، في الرجل يوصي أن يكاتب نصف عبده، فقال: يقال للورثة: إما أن تكاتبوا هذا العبد كله حتى تجوز فيه وصية الميت، وإما أعتقتم من نصف العبد مبلغ ثلث مال الميت؛ لأنه لا يجوز أن يكاتب نصف عبده، ولابد من أن ينفذ له ما أوصى به له، ويعتق ثلث ما بلغ مال الميت منه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إنما يعتق ما حمل الثلث من نصفه وإن كان الثلث يحمل الرقبة كلها؛ لأن الميت لم يوص في الجميع وإنما أوصى في البعض، فللورثة حجة في أن لا يعتق منه بتلا أكثر مما أوصى به أن يكاتب منه، وهي وصية فيها قربة على وجه لا يجوز، فوجب أن تنفذ وصيته للقربة التي فيها على الوجه الذي يجوز، كما لو أوصى أن يحج عنه على أن يقدم السعي على الطواف ما أشبه ذلك من مخالفة أمر السنة في الحج، وبالله التوفيق.

.مسألة يوصي لرجل بثمن أبيه:

وسئل: عن رجل يوصي لرجل بثمن أبيه، يقول: بيعوا فلانا وأعطوا فلانا ثمنه ابنه، أو يقول: أعطوا ثمن فلان لفلان، فقبل ذلك الابن، أترى أن يعتق عليه؟ قال: لا أرى ذلك، والوصية جائزة له، وأرى أن يباع ويدفع إليه ثمنه.
قلت له: أرأيت إن أوصى بكتابة مكاتبه وهو ابنه أو أبوه أو بعض من يعتق عليه، قيل: ولم رأيت ذلك في الكتابة ولم تره في ثمنه، إذا قال: أعطوا فلانا ثمن فلان؟ قال: لأنه إذا أوصى له بالكتابة أو أعطاه إياها فقد نزل منزلة الذي كاتبه إن أدى عتق، وإن عجز رق ولم يعتق عليه إن ملكه، فملك الكتابة كملك الرقبة.
وأما إذا قال: أعطوه ثمنه، فإنه يصير له الثمن بعد بيعه، ليس بيعه في يدي ابنه ولا رقبته، وإنما له ثمنه إذا بيع، فلا أرى عليه فيه عتقا.
قال محمد بن رشد: قوله: إذا أوصى له بكتابة من يعتق عليه، فقيل ذلك إنه يعتق عليه، معناه: أنه أسقط عنه الكتابة فيعتق بذلك ويكون ولاؤه للذي عقد كتابته، وهو بين من قول ابن القاسم في رسم يشتري الدور من سماع يحيى.
وتفرقة أصبغ بين أن يوصي له بكتابة من يعتق عليه أو بثمنه بينة صحيحة، وقد مضى ذلك في سماع يحيى المذكور، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
تم كتاب المكاتب والحمد لله.

.مسألة استودع وديعة فدفنها في أهله فهلكت:

كتاب الوديعة من سماع ابن القاسم من مالك قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، عن مالك: فيمن استودع وديعة فدفنها في أهله وأشهد عليها، أو خلفها عند أهله أو استودعها بعض إخوانه فهلكت، قال: لا ضمان عليه في شيء من ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة ليست على ظاهرها، وفيها تقديم وتأخير، وتقديرها، قال ابن القاسم عن مالك فيمن استودع وديعة فدفنها في أهله أو خلفها عند أهله أو استودعها بعض إخوانه وأشهد عليها فهلكت، قال: لا ضمان عليه في شيء من ذلك، وإنما وجب أن يقدر هذا التقدير؛ لأن من أودع وديعة فدفنها في بيته أو خلفها عند أهله لا يجب عليه الإشهاد على ذلك، إذ هو مصدق في ذلك، قاله في المدونة وغيرها، وإنما يجب عليه الإشهاد إذا استودعها غيره لحاجة دعته إلى ذلك من إرادته سفرا أو خراب منزله أو ما أشبه ذلك من الوجوه التي يعذر بها، فمعنى قوله في الرواية: أو استودعها بعض إخوانه، يريد: عند سفره أو خراب منزله مع أن يعلم ذلك، فإذا أودع الرجل وديعة فأودعها غيره فتلفت عنده، فهو ضامن لها إلا أن تكون له بينة إيداعها، ويعلم السبب الذي من أجله أودعها، إذ لا يصدق في شيء من ذلك دون أن يبينه، وإذا علم السبب صدق في أنه إنما أودع من أجله، وكان القول في ذلك قوله.
وقوله في هذه الرواية: إنه إذا خلف الوديعة عند أهله فتلفت إنه لا ضمان عليه- هو نص قوله في المدونة: إنه لا ضمان عليه في الوديعة إذا أودعها عند امرأته وخادمه، خلاف قول أشهب: إنه ضامن في ذلك، وقد قيل: إن قول أشهب ليس بخلاف لقول ابن القاسم وروايته عن مالك، وأن المعنى في ذلك أنه يضمن إذا كان العرف والعادة أن الناس لا يسترفعون أموالهم عند أهليهم ولا يأتمنونهم على ذلك، ولا يضمن إذا كان العرف والعادة أن الناس يسترفعون أموالهم عند أهليهم ويأمنونهم على ذلك، فكل واحد منهم تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه صاحبه؛ لأن قولهما مختلف، فعلى هذا الاختلاف في ذلك بينهما إذا علم العرف والعادة في البلد، وإنما يختلفان إذا جهل العرف في ذلك البلد، فأشهب يضمنه حتى يقيم البينة أن العرف والعادة في البلد أن الناس يأتمنون أهليهم على أموالهم ويسترفعونهم إياها، وابن القاسم لا يضمن حتى يقيم صاحب الوديعة البينة أن العرف والعادة في البلد أن الناس لا يسترفعون أموالهم عند أهليهم ولا يأتمنونهم عليها، والأظهر أنه اختلاف من القول؛ لأن من حجة صاحب الوديعة أن يقول: أنا إنما رضيت أمانتك ولم نعلم أنك تأمر أهلك كما يفعل الناس.
ويتحصل على هذا في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا ضمان عليه وإن كان الناس لا يأتمنون أهلهم إذا كان هو مؤتمن أهله بماله، وهو ظاهر ما في المدونة، ووجه هذا القول: أن المودع لما أودعه فقد علم أنه يحرزها في منزله كما يحرز ماله.
والقول الثاني: أنه ضامن وإن كان الناس يأتمنون أهلهم، وهو ظاهر قول أشهب، ووجهه: أن صاحب الوديعة يقول: إنما رضيت أمانتك لا أمانة سواك إذ لم أعلم أنك تأتمن أهلك كما يفعل الناس.
والقول الثالث: الفرق بين أن يكون العرف والعادة في البلد أن يأتمن الناس أهليهم أو لا يأتمنون، ولو كان الرجل لا يأمن أهله على ماله ولا يسترفعها إياه لضمن الوديعة، إن دفعها إليها فتلفت، وإن كان الفرق في البلد أن الناس يسترفعون أهليهم أموالهم ويأتمنونهم عليها قولا واحدا.
ولم يعط في المدونة جوابا بينا في العبد والأجير إذا كان في عياله فوضع عندهما ما أودع إياه فتلف، والذي يأتي على مذهبه فيها أنه لا ضمان عليه إذا كان يأتمنهما على ماله ويسترفعهما.

.مسألة الوديعة يستودعها الرجل فيقر بها الذي هي عنده عند نفر من غير أن يشهد عليه:

ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان:
وسئل: عن الوديعة يستودعها الرجل فيقر بها الذي هي عنده عند نفر من غير أن يشهد عليه.
قال مالك: إن لهذه الأمور وجوها، أرأيتك لو تقادم هذا حتى يمر به عشرون سنة ثم مات فقام صاحبها يطلبها، ما رأيت له شيئا، وكأني رأيته إن كان قريبا أن يكون ذلك له، قال ابن القاسم: وذلك رأيي، ولو كان إنما ذلك الأشهر والسنة وما أشبهه ثم مات ثم طلب ذلك الذي أقر به لرأيته في ماله.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الرجل إذا أقر بالوديعة من غير أن يشهدها عليه، ثم مات وقام صاحبها يطلبها فلم توجد في ماله، إنه لا شيء له إذا طالت المدة؛ لأنه لو كان حيا فادعى ردها أو تلفها لكان القول قوله مع يمينه، فإذا كانت على الميت اليمين فقد سقطت عنه بموته، ويلزم من كان كبيرا من الورثة أن يحلف ما يعلم لها سببا، ولم يحمل عليه إذا لم يوجد بعد طول المدة أنه قد استسلفها له إن كانت دنانير أو أكلها إن كانت طعاما، أو استهلكها إن كانت عروضا؛ لأن الأصل براءة الذمة فلا تعمر إلا بيقين، ولأن ذلك كان يكون منه لو فعله عداء فعلى من ادعاه أن يثبته، وهذا كان القياس، وإن لم تطل المدة؛ لأنه لو كان حيا فادعى أنه ردها أو تلفت لكان القول قوله في ذلك مع يمينه.
فتفرقته بين القرب والبعد استحسان، ووجهه: أن الذي يغلب على الظن في البعد أنه ردها، وفي القرب أنه استسلفها؛ لأن الودائع في أغلب الأحوال لا تترك عند المودع الدهور والأعوام.
وقال، في العشرين سنة: إنه طول، وكذلك العشر سنين على ما قاله في موضع آخر، وقال في السنة وما أشبه ذلك: إنه يسير، فقيل: إن ذلك خلاف لما في آخر كتاب الشركة من المدونة في الشريكين يموت أحدهما، فيقيم شريكه البينة أنه قد كانت عنده مائة دينار من الشركة، فلم يوجد ولا علم لها مسقط أنها تكون في ماله، إلا أن تطول المدة، أرأيت لو كان ذلك مثل السنة لكان يؤخذ ذلك من ماله، وقيل: إنها ليست بخلاف لها وهو الصحيح؛ لأنها مسألة أخرى، والفرق بينهما أن للشريك التصرف في المال، وليس للذي يودع أن يتصرف فيما أودع إياه، وبالله التوفيق.